عشرة طيبه بقلم مني السيد
حبل الكذب قصير..
... وهما واقفين في الطرقة، سمعوا ضحكة مجلجلة من جوه الأوضة.. ضحكة فيها طاقة تهد جبال.
بقولك إيه يا لولو، ده أنا في مارينا يا بنتي! كانت فاتحة السبيكر وبتتكلم مع صاحبتها بمنتهى الفخر. الهانم مراته امبارح خلتلي الشبابيك زي المرايا، والنهاردة من الفجر بتخبز وتعمل محاشي. وأنا؟ أمسك العصاية وأعمل الشويتين بتوعي.. وأحمد يلف يمين وشمال ويجيب لي أحسن لحمة وأغلى دوا. وليه أتعب نفسي وأنا عندي خدّامة ببلاش؟
منى حست إن مية نار اتمسحت في وشها. وجع، إهانة، وكسرة نفس. بصت لأحمد، لقيت وشه أبيض زي الورقة، وعروق رقبته هتنطق من الغضب.
وهتفضلي تمثلي الفيلم ده كتير؟ سألتها صاحبتها.
لحد ما أزهق! ردت هدى بضحكة عالية. لازم تعرف مقامها، وإن أنا ست البيت الحقيقية. دي فاكرة إنها فازت بأحمد كده بالساهل؟ لازم تدفع الضريبة. ده أنا حتى بوفر تمن الأدوية، وهي كل ليلة تعملي مساج لرجلي وتعملي يانسون وتدلعني.. ده أنا في حلم يا بنتي!
أحمد مقدرش يمسك نفسه أكتر.. فتح الباب بقوة خلت الحاجة
يا ماما.. صوت أحمد كان واطي بس فيه وجع يهد الحديد. فدي بقى تمثيلية الموت؟ طلعتي في مارينا وبتتدلعي، وإحنا خدّامين عندك وطالع عينا؟
هدى حاولت تلم الموضوع، مسكت قلبها بسرعة وعينها راحت يمين وشمال وبتدور على العصاية.
يا ابني.. أنت فاهم غلط.. ده أنا فجأة حسيت إني كويسة.. معجزة من عند ربنا.. منى وشها خير عليا..
كفاية يا حاجة هدى، الستارة نزلت. منى قالتها بهدوء مرعب، من غير دموع ولا انفعال. سمعنا كل كلمة.. عن الخدّامة وعن التمثيلية. كنت بتمنى أكون لك بنتي، وأخدمك بقلب راضي، بس إني أكون وسيلة عشان تحسي بالسيطرة؟ ده اللي مش هسمح بيه أبداً.
أحمد لم الموبيل من الأرض وقفل الخط.
منى، لمي هدومنا.. دلوقتي حالاً. وأنتي يا أمي، بما إن صحتك ما شاء الله زي الفل، هتقدري تعيشي لوحدك وتخدمي نفسك كويس جداً.
في أقل من ساعة، كانت الشنط في شنطة العربية. الحاجة هدى كانت بتجري
وهما راجعين شقتهم، منى خدت نفس عميق وحست إن جبل انزاح من فوق صدرها. أحمد مسك إيدها بحزن
حقك عليا يا منى.. أنا كنت أعمى.. كنت فاكر إني ببر أهلي وأتاري كنت بظلمك
مفيش داعي للاعتذار يا حبيبي.. ردت بابتسامة صافية. أنت قلبك أبيض، وده اللي يفرق معايا. ومن هنا ورايح، لو مامتك تعبت بجد، هنجيب لها ممرضة محترفة تخدمها.. وعلى حسابها كمان.
الأيام عدت، وشقة الحاجة هدى رجعت سجن هادي وبارد. حاولت في الأول تمثل على الجيران أو على الدليفري عشان حد يشيل لها الزبالة، بس الدنيا بره مابتطبطبش زي منى.
في ليلة شتا باردة، كانت قاعدة لوحدها، الشقة نضيفة زيادة عن اللزوم ومرعبة. سمعت دقات الساعة، وفهمت إنها خسرت الرهان. رغبتها في التملك وال عنجهية خلتها في عزلة تامة. مفيش حد بيفتح الباب وهو راجع من الشغل ومعاه ريحة أكل حلوة، ولا حد بيسألها بحنية حاسة بإيه النهاردة يا ماما؟. عرفت إن منى كانت الهدية
تاني يوم، الحاجة هدى مكلمتش حد تشتكي من وجع وهمي.. طلبت شركة نظافة. ولما جت البنت الشغالة وهي شايلة الجرادل وتعبانة، هدى كانت لسه هتبدأ تدي أوامرها الصارمة، بس الكلام وقف في زورها.
بصت للبنت شوية، واتنهدت وقالت بصوت واطي
بقولك إيه يا بنتي.. سيبي الجرادل دي دلوقتي. تعالي المطبخ اغسلي إيديكي، أنا عملت صينية كيكة بالتفاح، تعالي نشرب شاي سخن سوا.. أنتي شكل سقعانة وتعبانة.
عرفت الحاجة هدى إن الدفا مبيجيش من الشبابيك المتلمعة، الدفا بيجي من الحب اللي بنقدمه للناس من غير مقابل.
أما أحمد ومنى، فعاشوا في هدوء واستقرار في بيتهم، مع احترام كامل لخصوصيتهم. لكن كل يوم جمعة، الصبح بدري، كان بيتحط قدام باب الحاجة هدى سبت فيه خضار طازة، وأدويتها، وطبق فطير مشلتت لسه طالع من الفرن.. من غير كلام، ومن غير عتاب.
والحاجة هدى، وهي بتدخل السبت بيتها، كانت بتضمه لصدرها ودموعها حقيقية لأول مرة وهي بتهسم في الطرقة شكراً يا بنتي.. حقك عليا.
تمت بقلم مني السيد