قصة حفل العروس وصاحبة الفندق بقلم نور محمد
كنت واقفة لوحدي في طرف القاعة، وفجأة العروسة شاورت عليا باستهزاء وقالت بصوت عالي: "هو مين اللي سمح للشحاتة دي تدخل فرحي؟".. في لحظة المزيكا قطعت، وكل العيون اتوجهت ناحيتي. إيديا كانت بتترعش، بس ممشيتش.. بصيت في عينيها بكل هدوء ورديت: "عندك حق، أنا فعلاً مكاني مش هنا.. على الأقل مش كمعزومة." اللي حصل بعد الكلمتين دول شقلب كيان اليوم كله بطريقة عمرها ما كانت تتخيلها.
كنت واقفة في آخر قاعة الاحتفالات في فندق "نايل جراند"، وبحاول على قد ما أقدر أختفي من قدام الناس. القاعة كانت بتبهر العين، نجف كريستال، أرضيات رخام، وورد في كل حتة كأنه جاي من الجنة. المعازيم كلهم كانوا لابسين بدل وفساتين ماركات عالمية، أما أنا، فكنت لابسة فستان كحلي بسيط كنت شارياه من محل "بالة" بـ 500 جنيه.
اسمي ليلى.
من تلات أسابيع، جاتلي دعوة فرح استغربت منها جداً لدرجة إني قريتها مرتين. "ميرنا"، واحدة كنت عارفاها أيام الجامعة، كانت هتتجوز "أحمد" وعزمتني. مكنتش أنا وميرنا صحاب أوي، بس كنا ساعات بنذاكر مع بعض. كانت طول عمرها شايلة هم القرش، ودايماً تقول إنها لازم تتجوز واحد غني عشان متتعبش تاني في حياتها.
بعد التخرج، أخبارنا انقطعت.. هي راحت في سكة، وأنا اخترت طريق تاني خالص، طريق بعيد عن المنظرة والشو والطبقية. لما جاتلي الدعوة، كنت هرفض، بس الفضول أكلني وقولت أروح أشوف الدنيا حصل فيها إيه.
في الفرح، فضلت
بس الفرحة دي مكملتش.
خدت بالي من طريقتها وهي بتكلم "الويترز" والشغالين في القاعة؛ كانت بتكلمهم بتعالي وبقلة ذوق. كانت بتضحك من قلبها للمعازيم الأغنياء، وبتبص بطرف عينها لأي حد تاني. رغم كده، قولت أروح أبارك لها. أول ما قربت، الضحكة اختفت من وشها تماماً.
بصت لفستاني وقالت بقرَف: "ليلى؟ إيه اللي جابك هنا؟"
رديت بهدوء: "جتلي دعوتك، وقولت آجي أتمنالك الخير.. طالعة زي القمر."
كان باين عليها إنها متضايقة جداً، وقبل ما ترد، اتنين من صحابها قربوا علينا. واحدة منهم بصتلي من فوق لتحت وسألتني: "إنتي بتشتغلي إيه يا ليلى؟"
قولت لها: "شغالة في مجال الإسكان والمشاريع الاجتماعية."
أول ما سمعوا الكلمة، الضحكة المصطنعة اختفت من وشوشهم.
بعد لحظات، ميرنا قربت مني وهمست بغل: "لازم تمشي حالاً، إنتي مش من مستوانا ومكانك مش هنا."
كنت لسه بستوعب كلامها، لما فجأة صوتها علي وهي بتنادي على المعازيم اللي حوالينا: "بجد يعني، مين اللي سمح للشحاتة دي تدخل فرحي؟"
السكوت عمّ المكان.. عشرات العيون كانت بتبصلي بنظرات صعبة.
في اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت.
لثواني، محستش برجلي، ووشي كان بيغلي من الكسوف والهمسات اللي
"أحمد" كان واقف محرج ومش فاهم في إيه.
خدت نفس عميق.. وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة: ميرنا مش زعلانة مني، ميرنا "مړعوپة".. مړعوپة إن أي حاجة تفكرها بماضيها أو بمستواها القديم تظهر قدام حياتها الجديدة.
قولت لها بهدوء: "عندك حق، أنا فعلاً مكاني مش هنا."
أول ما قلت كده، ميرنا بدأت تسترخي وبان عليها الراحة.
كملت كلامي وأنا باصة في عينيها مباشرة: "أنا مكاني مش هنا كمعزومة، أنا مكاني هنا لأني 'صاحبة الفندق' ده كله."
ملامح وشها اتحولت من الراحة للذهول والصدمة.. وبدأت تتهته: "إنتي.. إنتي بتقولي إيه؟"
لحظة صمت رهيبة قطعت النَفَس.. ميرنا وشها بقى لونه "مخطۏف"، وصحابها اللي كانوا بيضحكوا من شوية، ملامحهم اتجمدت. في اللحظة دي، دخل "أستاذ محمود" مدير الفندق وهو بيجري وعلامات الاحترام مالية وشه، وقف قدامي وقبل راسي وهو بيقول بصوت مسموع للكل: "يا فندم نورتي الفندق! إحنا مكنّاش نعرف إن حضرتك هتيجي النهاردة، كنا جهزنا استقبال يليق بصاحبة مجموعة الفنادق."
ميرنا بدأت تتهته: "صـ.. صاحبة الفنادق؟ إزاي؟ إنتي كنتي بتشتري هدومك بالتقسيط في الجامعة!"
قربت منها خطوة واحدة، وبكل رقي رديت: "فعلاً، وكنت بشتغل تلات شغلات في اليوم عشان أصرف على دراستي.. السنين اللي ضاعت مننا يا ميرنا أنا قضيتها في الشغل وبنا الكيان
بصيت لجوزها "أحمد" اللي كان واقف مكسوف من طريقة مراته، وقولتله: "ألف مبروك يا أستاذ أحمد، الفندق كله النهاردة هدية مني ليكم، مش هتدفعوا مليم.. بس ياريت العروسة تفتكر إن اللي بيحترم الناس، الناس بتحترمه.. والفلوس بتروح وتيجي، بس الأصل والتربية هما اللي بيفضلوا."
ميرنا كانت واقفة زي "التمثال"، الدموع بدأت تنزل من عينيها بس مش دموع فرح، دي كانت دموع إحراج وندم قدام كل المعازيم اللي بدأوا يتوشوشوا عليها وعلى طريقتها. صحابها "الهوانم" بدأوا ينسحبوا واحدة واحدة، كأنهم مش عارفينها.
مشيت بكل هدوء ناحية الباب، وقبل ما أخرج، لفت وبصيت للقاعة كلها وقولت جملة أخيرة:
"الناس مقامات فعلاً.. بس المقامات بالنفوس، مش بالفلوس. مبروك يا عروسة."
خرجت من الفندق، وركبت عربيتي البسيطة، وأنا حاسة براحة مش عشان كشفت حقيقتي، بس عشان أثبت لنفسي ولأمثال ميرنا إن "الشحات" الحقيقي هو اللي نفسه شحاتة، مهما ملك من قصور وفلوس.
> "لا تعامل الناس على قدر ملابسهم، فربما تحت الثياب البسيطة قلوب من ذهب وعقول من ألماس.. القيمة الحقيقية للإنسان تظهر في لحظات قوته، هل سيستخدمها ليحمي الآخرين أم ليدهسهم؟"
>
هل أعجبتك هذه النهاية؟ ادعم القصه بلايك وكومنت لاستمرار