اختي الصغيرة

لمحة نيوز

"بابا، أختي الصغيرة مش راضية تصحى، وإحنا ما أكلناش من تلات أيام!".. المليونير كان في حالة صدمة.
— "ألو."
— "بابا."
— "سيف، في إيه؟ وليه بتكلمني من رقم غريب؟"
— "بابا، مريم مش راضية تصحى."
— "إيه؟ إنتوا فين؟ وأمك فين؟"
— "ماما مش هنا.. من يوم الجمعة وهي مش موجودة. أنا جعان أوي يا بابا، وما فيش أي حاجة تتاكل في البيت."
— "يعني إيه مش هنا؟ إنتوا لوحدكم في البيت من وقتها؟"
— "أيوه.. وأنا مش عارف أعمل إيه تاني."

خالد سكت لثانية من الصدمة، قلبه وقع في رجليه. فجأة اتنطر من مكانه في مكتبه في الدور الأربعين من البرج الزجاجي اللي بيملكه، الكرسي اتزحلق ووقع وراه، لكنه ما اهتمش. خطف مفاتيح عربيته وخرج يجري من غير ما يرد حتى على سكرتيرته اللي نادت عليه. وهو نازل الأسانسير كان بيطلب رقم طليقته شيرين بإيد بترتعش. الموبايل مقفول. حاول تاني. نفس الرسالة. حاول تالت. برضه مقفول. ضغط على أسنانه وقال بينه وبين نفسه: "لو حصل لهم حاجة…"

وصل بيت شيرين في أقل من نص ساعة وهو سايق بجنون. ركن عربيته قدام العمارة بعشوائية ونزل يجري. خبط على الباب بكل قوته.
— "سيف! افتح يا حبيبي، أنا بابا!"
ما فيش رد. قلبه دق أسرع. زق الباب… لقى الباب موارب. دخل.

البيت كان هادي بطريقة مرعبة. ريحة خفيفة من الرطوبة والأكل البايت في المطبخ. في نص الصالة كان سيف قاعد على الأرض حاضن مخدة. وشه متوسخ وعينيه وارمة من العياط. لما شاف أبوه قام يجري عليه 
— "بابا.. كنت فاكر إنك مش هتيجي."

خالد وبص حواليه بفزع.
— "فين مريم؟"

سيف شاور على الكنبة. مريم كانت مرمية هناك، جسمها الصغير ساكن. وشها شاحب زي الورقة وشفايفها ناشفة. خالد جري عليها، لمس جبينها… كانت سخنة جدًا. ناداها:
— "مريم… يا مريم."

ما ردتش. قلبه اتقبض بقوة. شالها فورًا بين إيديه.
— "يلا بينا يا سيف… بسرعة."

سيف جري وراه وهو ماسك في هدومه.
— "هي نايمة يا بابا؟"
— "لأ يا حبيبي… بس هتبقى كويسة."

وصلوا المستشفى. أول ما دخل الطوارئ والممرضة شافت حالتها جابت سرير بسرعة. الأطباء أخدوها فورًا لغرفة الفحص. خالد كان واقف برا وإيده ماسكة كتف سيف اللي لسه بيترعش من الجوع والخوف.

بعد حوالي نص ساعة خرج الدكتور.
— "إنت والد الطفلة؟"

خالد وقف فورًا.
— "أيوه."

الدكتور قال بجدية:
— "البنت عندها جفاف شديد وسخونية عالية. واضح إنها ما أكلتش ولا شربت كفاية من فترة. لكن الحمد لله لحقناها في الوقت المناسب."

خالد حس إنه أخيرًا قدر يتنفس.

"هتبقى كويسة؟"

الدكتور هز راسه.
— "لو العلاج استجاب… أيوه."

خالد قعد على الكرسي وسيف قاعد جنبه. بعد شوية جاب له أكل من الكافتيريا. سيف كان بياكل بسرعة غريبة كأنه ما شافش الأكل من أيام.

بعد ما هدأ شوية خالد سأله:
— "قولي يا سيف… إيه اللي حصل بالظبط؟"

سيف مسح بقه بإيده وقال بصوت صغير:
— "ماما كانت بتعيط كتير."

خالد سكت.

— "كانت بتقفل على نفسها الأوضة ساعات طويلة… وبعدين يوم الجمعة لبست هدومها وخرجت. قالت إنها هترجع بسرعة… بس ما رجعتش."

— "ما قالتش رايحة فين؟"

— "لا… بس قبل ما تمشي كانت بتتكلم في التليفون مع حد وبتزعق."

خالد حس في حاجة غريبة.
— "سمعت اسم حد؟"

سيف فكر شوية.
— "أيوه… قالت اسم كريم."

الاسم ده ضرب خالد زي الصاعقة.

كريم كان شريكه القديم… والراجل اللي سرق منه صفقة كبيرة من سنين. وكان السبب غير المباشر في طلاقه من شيرين.

خالد سكت وهو بيحاول يفهم.

في اللحظة دي الممرضة خرجت وقالت:
— "مريم فاقت."

خالد جري فورًا. دخل الأوضة. البنت الصغيرة كانت نايمة على السرير وعينيها مفتوحة نص فتحة. لما شافته همست:
— "بابا."

دموعه نزلت بدون ما يحس. مسك إيدها الصغيرة وقال:
— "أنا هنا يا حبيبتي."

بعد يومين خرجوا من

المستشفى. خالد أخد الأطفال معاه بيته. البيت الكبير اللي كان فاضي بقى فجأة مليان حياة تاني.

لكن السؤال الكبير فضل في دماغه: فين شيرين؟

بعد حوالي أسبوع… الموبايل رن.

رقم غريب.

رد خالد بحذر.
— "ألو."

الصوت اللي رد كان ضعيف جدًا.

— "خالد…"

اتجمد مكانه.
— "شيرين؟!"

كانت بتعيط.

— "أنا آسفة…"

خالد قال بحدة:
— "إنتي فين؟ عارفة إيه اللي حصل للعيال؟!"

سكتت لحظة وبعدين قالت:
— "أنا في المستشفى."

— "مستشفى؟!"

— "كنت في حادثة… يوم ما خرجت من البيت. عربية خبطتني."

خالد حس الأرض بتتهز تحته.

— "أنا حاولت أتصل… بس الموبايل اتكسر. وما كانش معايا أي رقم غير رقمك القديم."

سكت لحظة وبعدين سأل:
— "طب كريم؟"

شيرين قالت بصوت مكسور:
— "كريم هو اللي وصلني المستشفى… بس أنا ما كنتش معاه. أنا كنت رايحة أقدم على شغل."

خالد سكت.

— "الشغل ده كان في شركة بعيدة… كنت عايزة أشتغل عشان أصرف على العيال. الفلوس اللي بتبعتها كانت بالكاد مكفية."

الكلام ده خلى خالد يحس بوخزة في صدره. لأنه لأول مرة يفكر إن حياته الفخمة ما كانتش واصلة للبيت اللي فيه أولاده.

شيرين قالت وهي بتبكي:
— "أنا ما كنتش ناوية أسيبهم… كنت راجعة لهم بعد ساعة."

خالد ما

ردش فورًا.

لكن بعد لحظة قال بهدوء:
— "أنا جاي لك."

وبعد ساعة كان واقف قدام أوضتها في المستشفى. لما شافته نزلت دموعها أكتر.

قال لها بهدوء:

 

تم نسخ الرابط