حقيقه موجعه بقلم ايسل هشام

لمحة نيوز

بعد ما فقدت البيبي، كنت مرهقة جدًا. لكن جوزي كان متأكد إن اللي حصل كان عن قصد. "إنتِ عمرك ما كنتِ عايزة البيبي ده!" صرخ عليا. وأمه قالت إني كنتِ غيورة من أخت مرات جوزي الحامل. مسكوني وهما بيركضوا عليا وهو بيركّل فيا. ماقدرتش أصرخ. هربت وأنا بنزف نص الليل… وبعد سنتين، شافني تاني…
لما الدكتورة منى قالتلي "انفصال المشيمة"، ما فهمتش أول مرة، لحد ما ضافت بهدوء: "أنا آسفة… مفيش نبضة للبيبي." كام ساعة بعد كده خرجت من المستشفى ومعايا فوط، وصفات طبية، وتعليمات أرتاح—وكأن الراحة هتقدر تسد الفراغ اللي سايباه اسمها ليه، إيميلي روز.
في الطريق للبيت، أحمد (جوزي) ما لمسنيش. كان متفرج من الشباك، فمه مشدود، نفسو هادي كأنه ماسك حاجة جوّه.
الفوطة اتبهدلت في أقل من عشرين دقيقة.
قعدت على الكنبة البيضا اللي أحمد أصر إنها "تليق على الضيوف"، وبصيت للدم اللي سايب بقعة على الجلد. بطني وجعتني لدرجة إني كدت أقع من القيء. فوق، أوضة البيبي مستنية: حيطان صفراء، هدوم صغيرة، واسم على لساني.
أحمد دخل، شاف البقعة، وشكله اتقلب من الغضب بدل الخوف.
"إنتي عملتي كده عن قصد!" قال.
رّفّت بعيني. "أحمد… أنا فقدتها."
قرب مني، صوته عالي: "ما تلعبيش دور الضحية! عمرك ما كنتِ عايزاها."
الباب اتفتح. مروة، والدة أحمد، ظهرت، وبتتحرك بسرعة كأنها مستنية اللحظة. لسه معاها المفتاح بتاعها.
"دي الغيورة!" قالت. "غيورة من سارة و حملها المثالي."
"أنا بنزف!" همست وأنا بحاول أقف. موجة وجع تانية قعدتني على الأرض. "لازم أرجع المستشفى."
مروة

دفعتني على كتفي. أظافرها خدت في الجونتي بتاعي. "لازم تتحملي المسؤولية."
أحمد فتح شنطته وطلع ملف على الترابيزة. ورقة الطلاق وقعت فوق الدم اللي بينتشر.
"جهزتهم الشهر اللي فات"، قال بصوت هادي فجأة. "بعد ما شفتك وإنتي بتبصي على صور عيد ميلاد سارة."
ودني دقت. "الشهر اللي فات؟ وأنا ببني أوضة البيبي؟"
ضحك مرة واحدة. "كل ده تمثيل."
بعد كده الجزمة بتاعته ركبت على ضلعي.
الهواء خرج مني. الألم انتشر في كل جسمي، واتقوّرت على نفسي. حاولت أصرخ، لكن مفيش صوت—بس صوت مكتوم.
"اخرجي!" قال أحمد بصوت واطي وحاسم. "النهارده."
حاولت أخد الموبايل، بس شالوه مني. "اتصلي بأهلك برا."
مروة أشارت على دولاب الرواق. "شنطة. خدي اللي جيتي بيه بس."
مشوا بيا للأسانسير كأني مجرد وسخ مش عايزينه في بيتهم. في اللوبي، حسن، الحارس اللي بالليل، بصلي وشاف الفوطة المبلولة بالدم، ولف الصفحة في كتابه كأن مفيش حاجة.
الأبواب اتفتحت على الهوا البارد في أكتوبر. من غير شبشب، من غير موبايل، والدم بينزل من رجليا. مشيت أربع شوارع لحد ما تاكسي وقف. السواق بص عليا وهديلي بطانية من غير ما يسأل.
الفجر كان بيطلع لما وقعت على باب بيت أهلي وضغطت الجرس بإيدّي المرتجفة.
لسنتين، أحمد ما ظهرش في حياتي.
لحد يوم تلات هادي في حديقة الورود، وأنا ببص على طفلي الصغير، شفته جنب الورد—بيبصلي كأني شبح…ايسل هشام 
كان صامد كده، صوته وملامحه كلها صامتة، بس عيونه… كانوا بيقولوا إن هو شاف حاجة مستحيلة.
ايسل هشام 
مروة أشارتلي على الدولاب في الرواق.
"الشنطة بتاعتك. خدي اللي جيتي بيه وبس."
مشوا بيا كأني مجرد حاجة وسخة مش عايزينها في البيت. في اللوبي، حسن، الحارس اللي بيشتغل بالليل، بص عليا وشاف الفوطة المبلولة بالدم، وبعد شوية قلب الصفحة في كتابه كأن مفيش حاجة حصلت.
الأبواب اتفتحت على الهوا البارد بتاع أكتوبر. من غير شبشب، من غير موبايل، والدم بينزل من رجليا. مشيت أربع شوارع لحد ما تاكسي وقّف. السواق بص عليا وسابلي بطانية من غير ما يسأل أي حاجة.
وصلت على باب بيت أهلي وأنا مش قادرة أوقف على رجليا. دقت الجرس وإيدي كانت بترجف.
لسنتين، أحمد اختفى من حياتي خالص.
لكن في يوم تلات هادي في حديقة الورود، وأنا بلعب مع ابني الصغير، رفعت عيني وبصيت… شفته واقف جنب الورود، بيبصلي كأني شبح.
الأسابيع بعد الليلة دي حسيت فيها كل حاجة مش حقيقية. أمي صبغت أوضة طفولتي لون بنفسجي بدل الأبيض اللي ماكنتش قادرة أتحمله. مرتين في الأسبوع، كنت قاعدة قدام دكتورة سارة وأتعلم لغة اللي عشتها—التحكم النفسي، التهديد، الصدمة. في جلسات العلاج، كنت مجبور أقول اسم إيميلي لحد ما صوتي ما يبقاش بيتقطع.
أحمد خلص أوراق الطلاق بسرعة. كان عايز يتحرر من "الست المجنونة" اللي عملها في قصته، وأنا كنت تعبانة أوي عشان أجادل. مش كنت محتاجة انتقام، كنت محتاجة أتنفس.
في الربيع، بدأت أقدر أعمل روتين صغير: شاي، مشي هادي، وصباح يوم السبت في السوق. المكان كان زحمة كفاية تحس إني عايشة، وآمن كفاية عشان أختفي فيه.
ايسل هشام 
هناك قابلت سامي.
كنت بحاول أوصل لكيس تفاح على رف عالي
لما كتفي وجعني  لسه بيطلع لو حاولت أوصل بعيد. راجل جنبّي قال بهدوء: "تحبي أجيبلك الكيس؟" أصابعه عليها بقع من الدهانات، وعينيه البنية هاديه وثابتة. مدلي التفاح وابتسم: "اختيار حلو."
في البداية، مجرد كلام قصير وتحيات مهذبة. سامي عمره ما ضغط عليا. بعد تلات شهور، أنا نفسي استغربت لما سألته: "نفطر مع بعض؟"
هو هز راسه: "حاضر."
في أول ميعاد لينا، جلست قدام الباب بدون تفكير. لما كوب وقع ورا الكونتر، جسمي اتوتر، لكن سامي ما عملش أي استجواب. خلى الكلام طبيعي ولطيف. هو صلح فرش قديم وأنا صممت شعارات وعبوات. كنا بنتكلم عن كتب، الجو، وإزاي ضوء الخريف بيغير أوضة.
في مشيّة في حديقة الورود، وقف جنب بركة البط وقال: "لو حبيتي تحكيلي اللي حصل، أنا هسمع. لو مش حابة، تمام برضه."
مفيش ضغط، مفيش شروط.
"كان في راجل…" قلت. "جوزي السابق. آذاني وأنا أصلاً مكسورة."
سامي قعد جنبي وقال: "ده مش غلطتك."
الحب ما محاش الصدمة، لكن غيّر الجو حواليّا. سامي كان بيسأل قبل ما يلمسني، عمره ما استخدم صوته كسلاح. لما كنت بخاف، كان بيرجعني للحاضر: "إنتي هنا، إنتي أمان."
بعد فترة، قررنا نتجوز رسمي. كان يوم تلات عادي وإحنا مع نوح (اللي لسه مولود بعد الزواج) ونطبخ على النار. سامي ركع وخد خاتم بسيط. "بحب الحياة اللي بنيناها،" قال. "تتجوزيني؟"
قلت له نعم قبل ما يكمّل.
اتجوزنا في حديقة بيت أهلي تحت شجرة البلوط اللي كنت بأطلع عليها وانا صغيرة. نوح وصل بعد كده بعد الزواج، وردي، غضبان وكامل. سامي بكّي لما حطوه على صدري. "
أهلاً يا صغيري،" همس. "كنا مستنيينك."
 

تم نسخ الرابط