حماتي عمله عزومه

لمحة نيوز

حماتى كانت عامله عزومه وكانت السفرة ممدودة، والروائح تشرح القلب.. بط وديك رومي ومحاشي، منظر يخليكِ تقولي "أخيراً الواحد هيرمم عضمه بلقمة محترمة". لكن "بنت اللذينة" حماتي، كان عندها خطة تانية خالص. كل ما يادوب ألمس طرف المعلقة، تطلعلي بطلبات زي الشياطين: "قومي يا فلانة هاتي مية"، "قومي يا حبيبتي شوفي الضيوف ناقصهم إيه"، "قومي ناوليني الملاحة".
"المغرب أذن، والناس أكلت وشبعت، وأنا ريقي بيجري وصبري بينفد.. بطني كانت بتصوت من الجوع، بس القهرة كانت بتسكتها بصوت أعلى. وقفت بعيد، عيني على الأكل اللي بيخلص، وعلى ضحكاتهم اللي مالية الصالة، وهما بياكلوا بدم بارد، ولا حد فيهم التفت وقالي 'تعالي كلي لقمة'، ولا حد حس إن فيه 'بني آدمة' صايمة وتعبانة هي اللي شقيانة في كل صنف محطوط قدامهم.
اللحظة اللي ذبحتني بجد، لما الناس بدأت تشبع وتغسل إيديها، وبنتها—كتر خيرها—قالت بصوت عالي وسط اللمة: 'يا ماما، شيلي مناب لمرات أخويا، دي مأكلتش لقمة من الصبح وشقيت معانا طول اليوم'.
ردت حماتي بكلمة نزلت على قلبي زي الرصاص

المصبوب، كلمة وجعها كان أمّر من طعم الصيام: 'إن شالله عنها ما كلت! هي يعني كانت بتجاهد؟ ما كلنا بنعمل وبناكل.. اللي يعوز ياكل بياكل، وهي اللي فضلت واقفة!'
في اللحظة دي، الوجع مكنش في بطني الجعانة، الوجع كان في 'نفسي' اللي اتفتفتت قدام الكل. حسيت إن الدنيا دارت بيا.. يعني أنا اللي واقفه على رجلي من الفجر، اللي ريحة البصل والتوم لزقت في إيدي، اللي ضهري اتقطم قدام البوتاجاز عشان 'سيادتك' تتباهي بسفرتك قدام ضيوفك.. في الآخر استخسرتي فيا حتى 'لقمة' تسد جوعي؟
بلعت غصتي اللي كانت واقفة في زوري زي الشوك، وقمت لميت السفرة.. كنت بلم 'بواقي' أكلهم ودموعي نازلة تحرق خدي. كنت بشوف أطباقهم الفاضية وأقول لنفسي: 'يا ريتني كنت ضيفة غريبة، كان زماني اتكرمت'. وهما بره؟ قاعدين في التكييف، بيضحكوا وبيحلوّوا ويشربوا الشاي المنعنع، وصوت معالقهم وهي بتخبط في أطباق الحلويات كان عامل زي الخناجر اللي بتترشق في ضهري.
دخلت المطبخ، وبدل ما آكل، لقيت نفسي واقفة قدام الحوض.. غسلت المواعين بدموعي، وكل

 طبق كنت بغسله كنت

بحس إني بغسل كرامتي اللي اتهانت عشان لقمة. كنت بكلم نفسي وأقول: 'للدرجة دي أنا رخيصة؟ للدرجة دي تعبي ملوش تمن؟ للدرجة دي هان عليهم صيامك وتعبك وكسرة عينك؟'.. المطبخ اللي كان مليان روائح تشرح القلب، بقى خنقة، بقى سجن، بقى مكان بيشهد على أكبر إهانة اتعرضت لها في حياتي."
المطبخ صار صامت غير من صوت الميه اللي بتنزل على الأطباق، وقلبي بينفطر من الداخل.. بس فجأة، شعرت بشعاع قوة جوه نفسي. قررت في اللحظة دي، مش هفضل ضحية لحد، لا حتى حماتي. اللي تعب وسهر وقطع ظهري عشان السفرة دي، لازم ياخد حقه.
ركبت مكاني على الحافة، وقلت في نفسي بصوت واطي:
"يا رب، يا من لا تضيع الحقوق.. احفظني، قويني، وأريني الطريق الصح."
خرجت من المطبخ، وابتديت بحركة مدروسة: ركبت نفسي على الطاولة بابتسامة هادئة، وأخدت كباية شاي من الكانبين، وجلست بجانب ضيوفها.. وبدأت أتكلم بصوت واثق، كأني صاحبة الموقف ومافيش حاجة تهزني:
"الحمد لله على كل حاجة.. بس قبل ما نكمل، أنا حابة أشارككم حاجة. كل اللي في السفرة دي من تعب وحب كان مني، وكنت أتمنى
نعيش اللحظة دي كلنا سوا، مش بس اللي بياكلوا."
الكل اتلمس من صمتي وثقلي في الكلام. حماتي حاولت تضحك على الموقف، لكن كان واضح إنها حسّت بالمواجهة لأول مرة.
ومع كل كلمة كنت بقولها، كنت بحس إن قلبي بيرجعله كرمو، وإن دموعي اللي نزلت في المطبخ اتقلبت قوة جواي.. وفي نفس الوقت، كنت بحس براحة كبيرة إن الحق بدأ يرجع لنفسه: احترام نفسي، تعب سنة كلها، وحتى صيامي اللي ضاع في عزومة كبيرة، كله لسه ليه قيمته عند ربنا قبل أي حد.
بعدها، قررت أبعد عن أي خلاف مباشر، وخليت تصرفي أبلغ من أي كلام: بقيت أشارك في الأكل، بس بطريقة فيها كرامة، وبنهاية اليوم، الناس فهمت إني مش لعبة في أي عزومة أو أي سفرة.
ومشيت للغرفة، جلست مع نفسي، وقلت:
"الحمد لله.. لا يهمهم، المهم ربنا شايف تعبنا وبيقوينا. يا رب، اجعلنا دايمًا بنقف على حقنا بحكمة، وبعيد عن أي ظلم."
ومن اليوم ده، أي سفرة أو عزومة كانت حماتي بتحاول تعيد نفس المشهد، كنت ببساطة أتحرك بحكمة، وأرجع لي كرامتي قبل أي لقمة، وعرفت أخلي الحق يبان من غير ما أتحول لمواجهة مباشرة،
وربنا كان دايمًا معايا.

تم نسخ الرابط