يوم فرحي
يوم فرحي، أهلي عملولي بلوك من كل حتة ورفضوا ييجوا. مشيت في ممر الفرح لوحدي، وأمي كانت بتبعتلي رسالة بتقول:
“إحنا ما بنتعاملش مع الفاشلين. ما تفضحيناش بفرحك الرخيص ده.”
بعدها بكام أسبوع، فجأة أبويا بعتلي:
“أخوك هيتجوز بنت مليونير. محتاجين 10,000 دولار علشان قاعة الفرح. إنتِ مدينة للعيلة دي.”
ردّيت بهدوء:
“تعالوا خدوا الفلوس.”
اللي جهزته بعد كده دمّرهم تمامًا.
كنت واقفة ورا أبواب تقيلة من خشب البلوط في قاعة البراميل، بعدّل في فستاني الحرير من ڤيرا وانج. تمنه كان عشرين ألف دولار — رقم لو أهلي عرفوه كانوا قالوا عليه “قِلّة أدب” و”إسراف”.
الموبايل رن في الجيب المخفي في الفستان. كنت عارفة إني المفروض ما أبصّش. كل كتيبات العرايس بتقول افصلي عن الدنيا. بس عادة إنك تدوري على قبول من ناس بيبخلوا بيه زي الأكسجين… صعب تموت.
رسالة من “ماما”:
“ما تستنيش أبوك يمشيك في الممر. إحنا مسافرين كابو. قررنا ما نضيّعش وقتنا. فرحك الرخيص المتلّفق ده ما يستاهلش تذكرة طيران. كاليب هيتجوز بنت مليونير قريب، ولازم نوفر طاقتنا وفلوسنا لفرح بجد. ابعتيلنا صور لو عرفتي تلاقي عريس
فضلت باصة في الشاشة. الكلام ما وجعنيش زي زمان؛ ما بقاش طعنة، بقى وجع قديم مألوف… زي كسر قديم بيوجع مع الشتا.
“فرح رخيص…” همست وأنا لوحدي في الأوضة.
هما فاكريني بتجوز في جنينة بيت. فاكريني لسه مايا… الخروف الأسود، “الفاشلة” اللي رفضت شغل المكتب. عمري ما صححتلهم. لما بعت أول براءة اختراع سوفت وير وجبت منها ملايين، ما كلمتهمش. كنت عايزاهم ييجوا علشاني أنا، مش علشان فلوسي.
وده كان ردهم.
الأبواب التقيلة فتحت بصوت خفيف. ليو كان واقف، وسيم بشكل يخوّف في بدلته. شاف الموبايل في إيدي، والدموع اللي لسه ما نزلتش في عيني. خد الموبايل بهدوء، قرا الرسالة، وبعدها مسك إيديا الاتنين.
“هما شايفين ده رخيص علشان بيقيسوا القيمة بعدد الناس، يا مايا،” قال بصوت واطي وهو بيمسح دمعة من خدي.
“مش شايفين العرش اللي إنتِ قاعدة عليه… بس أنا شايفه.”
“هامشي لوحدي،” قلت وأنا صوتي مخنوق. “بابا مش جاي.”
“إنتِ مش ماشية لوحدك،” ليو صحّحلي بهدوء وثبات.
“إنتِ ماشية بإرادتك واستقلالك. وده فرق كبير.
كلام ليو دخل قلبي زي حضن دافي بعد شتا طويل.
بصّيت له، وحسّيت لأول
مسكت دراعه، وخرجنا سوا.
القاعة كانت هادية، شموع، ورد أبيض، موسيقى واطية… وكل خطوة كنت باخدها كانت بتشيل حتة من الوجع اللي عايشة جوايا من سنين.
مشيت في الممر، لوحدي… بس راسعة.
وأنا ماشية، افتكرت أول مرة قالولي فيها:
“إنتِ مش ذكية كفاية.”
“إنتِ مش شاطرة زي أخوكي.”
“إنتِ هتضيعي وقتك في الهبل ده؟”
افتكرت ليالي سهر طويلة قدام اللابتوب، وأنا ببرمج وأغلط وأعيد من الأول، ودموعي تنزل في صمت علشان محدش يقول: شفتي؟ فشلتي.
افتكرت أول عقد، أول نجاح، أول رقم كبير شوفته في حسابي… والفرحة اللي ما عرفتش أشاركها مع حد.
كنت دايمًا لوحدي.
بس المرة دي؟
كنت قوية.
الفرح خلص، والناس مشيت، وأنا وليو قعدنا لوحدنا شوية.
قالّي وهو بيضحك:
“تحبي نروح شهر عسل فين؟”
ضحكت لأول مرة من قلبي.
قلتله:
“أي حتة… بس تكون بعيدة عن ناس فاكرة إن الحب بيتقاس بالفلوس.”
عدّت أسابيع.
كنت تقريبًا نسيت حكاية العشرة آلاف دولار.
لحد ما الموبايل رن.
رقم بابا.
سيبته يرن شوية… وبعدين رديت.
– “إنتِ فين؟
– “خير؟”
– “إحنا جايين ناخد الفلوس.”
ضحكت.
قلت بهدوء غريب حتى عليّ:
“تعالوا.”
حددتلهم عنوان.
مش بيتي.
ولا مكتب.
قاعة اجتماعات في أكبر برج في المدينة.
دخلوا… أمي، وأبويا، وأخويا.
وشوشهم كلها ثقة وتعالي.
فاكرين نفسهم جايين يستلموا حق.
قعدوا.
وأنا دخلت بعدهم بثواني
بدلة بسيطة، شيك، هادية.
نفس البنت اللي سموها “فاشلة”… بس بنسخة تانية.
أخويا قال وهو بيبص حواليه:
“إيه المكان ده؟”
ابتسمت.
وقلت:
“ده مقر الشركة اللي اشترت براءة الاختراع بتاعتي.”
سكات.
أمي بلعت ريقها.
أبويا اتعدل في قعدته.
فتحت اللابتوب، عرضت أرقام، عقود، تحويلات بنكية.
أرقام أكبر من اللي عمرهم شافوه.
قلت بهدوء قاتل:
“العشرة آلاف؟ موجودين.”
وقفت… وزقيت ظرف قدامهم.
وبعدها كملت:
“بس دول مش فلوس. دول تمن آخر مرة تدخلوا حياتي.”
أمي حاولت تتكلم.
أبويا قال:
“إنتِ بتتكلمي إزاي معانا؟”
بصّيت له في عينه وقلت:
“زي ما اتكلمتوا معايا يوم فرحي.”
قومت، خدت شنطتي، ومشيت.
ولا بصّيت ورايا.
في العربية، ليو كان مستنيني.
قاللي:
“عملتي إيه؟”
قلت وأنا بابتسم:
“قفلت دايرة وجع…
مسك إيدي وقال:
“ده أحلى مهر شوفته في حياتي.”
ومن يومها…
أنا مايا.
مش الخروف الأسود.
مش الفاشلة.
مش البنت اللي تستنى رضا حد.
أنا الست اللي مشيت لوحدها…
ووصلت.