جوزي نسي
جوزي نسي يقفل المكالمة.
كنت مسكت الموبايل علشان أقول له:
"بحبك"…
بس بدل كده، سمعت صوته — واطي، محسوب، ومتوتر — وهو بيتكلم مع شخص قريب مننا جدًا.
"أول ما والدها يحوّل العشرة مليون من حماها، كل حاجة هتتظبط."
جسمي كله اتجمد.
الموبايل على ودني حسّيته زي حجر تقيل.
والصوت التاني قال:
"طب ولو شكت؟"
رد بهدوء بارد:
"مش هتشك. فاليريا بتثق في الناس. أبوها رباها على كده."
سكتّ.
ولا دمعة نزلت.
ولا صوت طلع.
قعدت بالراحة على طرف السرير وبصيت في الدبلة في إيدي…
كأني أول مرة أشوفها.
إحساس برد غريب انتشر جوايا…
الإحساس اللي بييجي لما تكتشف إن في حد كان بيرتب حياتك من وراك.
قفلت المكالمة من غير صوت.
دخلت المطبخ وصبيت لنفسي كوباية مية.
إيدي كانت ثابتة،
بس دماغي من جوا كانت مولعة زي سلوك كهربا بايظة في أوضة ضلمة.
كلمت أبويا.
رد من تاني رنة، زي عادته دايمًا.
"فاليريا؟ في إيه؟"
"بابا… في حد بيخطط يستغلني"، همست.
سكت شوية.
ولما اتكلم، صوته اتغير —
لا متعصب
ولا عاطفي
… بقى حاد ومحسوب.
"إنتي متأكدة إن ده اللي سمعتيه؟"
بصيت حوالين البيت:
صور
البطانية اللي اشتريناها من إشبيلية،
ماكينة القهوة الغالية اللي كان بيحب يتباهى بيها قدام الضيوف.
حياة اتبنت بفلوسي،
وباسمي،
وبثقتي.
"أيوه"، قلت.
"بس اعمله نضيف… بالقانون…
ومن غير ما يعرف إني ورا الموضوع."
قال:
"يبقى اسمعيني كويس.
ما تواجههوش. مش دلوقتي.
أنا محتاج دليل —
تواريخ، مكالمات، حسابات بنكية.
العشرة مليون دول…
باسمي أنا
ولا هما مستهدفين فلوسك إنتِ؟"
"مستهدفيني أنا"، قلت.
"عشان عقد الاستثمار اللي إنت ماضيه لشركته."
طلع نفس طويل:
"كويس. ده يدينا مساحة نتحرك فيها.
النهارده تقفلي على نفسك الأوضة،
وتخلي موبايلك مشحون.
وبكرة الصبح تيجيلي المكتب على طول.
وفاليريا…
افتكري كل كلمة اتقالت في المكالمة دي."
صوته نشّف أكتر:
"هنحوّل الهمس ده… لمستند رسمي."
قفلت معاه.
بعد شوية سمعت جوزي داخل البيت وهو بيصفر،
ولا كأنه عامل حاجة غلط.
ابتسمت ابتسامة باهتة…
لأني فهمت حقيقة موجعة:
هو ما كانش شايفني زوجة.
هو كان شايفني مشروع.
وأنا…
كنت لسه مغيرة الخطة كله عدّى الليل تقيل.
هو نام جمبي، ونفَسه منتظم،
كأن الدنيا
وأنا؟
كنت سهرانة بعد ما نام…
بقلب الملفات على اللابتوب.
حسابات شركته.
عقود الاستثمار.
إيميلات قديمة ما عمري ما بصّيت عليها.
اكتشفت إن في توقيعات باسمي
على تحويلات
أنا عمري ما وافقت عليها.
وأسماء شركات
ما سمعتش عنها قبل كده
بس مربوطة بحسابه هو.
الصبح لبست هدوئي
زي ما بلبس هدومي.
حضّرتله قهوته
وحطيت السكر اللي بيحبه
وابتسمت.
قال وهو بيقلب في موبايله:
"هتتأخري النهارده؟"
قلت:
"آه… هعدّي على بابا الأول."
ما علّقش.
ولا حس بحاجة.
دخلت مكتب أبويا.
أول مرة أحس إن المكان ده
ملجأ
مش مكتب.
قعدت قدامه
وحطيت اللابتوب على المكتب
من غير كلام.
قلب في الأوراق.
سكت طويل.
وبعدين قال:
"هو ما كانش بس بيخطط…
هو ابتدى التنفيذ."
بلعت ريقي:
"يعني إيه؟"
"يعني لو سكتي شهر كمان
هتبقي ماضية على ديون مش فلوس.
وشركته هتبقى باسمك
بس خسارتها عليكِ."
حسّيت الأرض بتتهز
مش تحت رجلي
جوا صدري.
قلت:
"نعمل إيه؟"
قال:
"نرجّع اللعبة لنقطة الصفر."
بدأنا نشتغل بهدوء.
نوقّف التحويلات.
نراجع العقود.
نطلب تدقيق مالي رسمي
من غير ما يعرف السبب.
كل
كنت بعملها في البيت
كزوجة عادية.
أضحك.
أطبخ.
أسأله عن يومه.
وهو يحكي
عن “تعبه”
و“مشاريعه”
و“مستقبله”.
وفي نفس الوقت
حساباته كانت بتتجمّد واحدة واحدة
زي أبواب بتتقفل
من غير صوت.
بعد أسبوع
رجع متعصّب.
"في مشكلة في البنك.
بيقولوا في مراجعة على الحساب."
قلت بهدوء:
"يمكن إجراء روتيني."
بصلي شوية
كأنه أول مرة يشوفني.
قال:
"أنتِ ورا الموضوع ده؟"
ابتسمت:
"أنا؟
ده أنت دايمًا بتقول
إني ما بفهمش في الفلوس."
سكت.
بعدها بيومين
وصلته رسالة رسمية:
استدعاء للتحقيق المالي
بسبب تناقضات في العقود.
رجع البيت
وهو مش بيبص في وشي.
وأنا كنت قعدة على الكنبة
بشرب قهوتي
اللي ما عملتهاش ليه المرة دي.
قال:
"إنتِ عارفة حاجة؟"
قلت:
"عارفة كل حاجة."
وقف.
قلت وأنا واقفة قدامه:
"عارفة إن البيت ده اتبنى باسمي.
وإن العقود اللي لعبت بيها
كلها راجعت.
وإن اللي كنت فاكره همس
بقى ورق رسمي."
صوته واطي:
"فاليريا…"
قلت:
"أكبر غلطتك
إنك افتكرت سكوتي غباء.
وسهولتي ضعف."
مدّ إيده:
"إحنا نصلّح…"
رجعت خطوة:
"إحنا؟
إحنا ما بقيناش من يوم
ما شفتني حساب بنكي
مش
بعد شهر
كنت قاعدة في نفس الأوضة
بس لوحدي.
البيت هادي
بس صدري مرتاح.
العقود اتلغت.
الفلوس رجعت.
وشركته خرجت من اسمي.
وأنا؟
رجعت أشوف نفسي
مش كضمان مالي
لكن كحد
عرف إمتى
يسكت
وإمتى
يقفل اللعبة.