صرخه علي الباب بقلم منال علي
أول ما إبراهيم دخل من الباب، صرخ بلهفة: «هي فين؟»
رديت عليه بكل هدوء: «بنتنا بايتة عند أختي النهاردة».
لون وشه خطف وبقى زي الورقة، وصرخ فيا: «البسي جزمتك.. هنروح نجيبها حالاًااا!» بقلم منــال عـلـي
واحنا في العربية، رمى نظرة عليا وهمس بصوت مخنوق: «إنتي بجد ما لاحظتيش؟»
فضلت مبلمة فيه، مش قادرة أنطق بكلمة واحدة.
نرجع لورا شوية..
لما إبراهيم رجع البيت وسألني: «بنتنا فين؟»
ما رفعتش عيني من على الحوض، كنت بشطف مصفى المكرونة وبسمع صوت غسالة الأطباق بنص ودن، وكنت حاسة براحة إن الليلة هادية ومفيش لعب مكركبة تحت رجلينا.
قلت له: «دي بايتة عند أختي، ليلة واحدة بس.. تاليا فضلت تزن وتتحايل عشان تبات مع ولاد خالتها».
الكلمة لسه ما خرجتش من بقي، وسمعت ورايا صوت "تزييق" حاد، زي رجل كرسي بتجرح في البلاط بقلم منال علي
لفيت ورايا.. لقيت إبراهيم وشه قلب رمادي في ثواني. فتح بقه عشان يتكلم، وبعدين سكت، وطلع زفير من مناخيره كأنه بيكتم صرخة بالعافية.
قلبي انقبض: «في إيه يا إبراهيم؟ مالك؟»
رد بكلمتين: «هنروح ناخدها دلوقتي».
النبرة ما كانتش نبرة غضب.. دي كانت نبرة رعب متوفره على روايات واقتباسات قلت له وأنا بنشف إيدي في الفوطة: «يا إبراهيم.. الساعة 9 بالليل، والبنت زي الفل، وأختي بيتها على بعد ربع ساعة من هنا. في إيه بس؟»
قاطعني بحدة وهو
ضربات قلبي بدأت تزيد: «هو في حاجة حصلت؟ جنى كلمتك؟»
ما ردش عليا. والسكوت ده كان أرعب من أي كلام. إبراهيم مش بتاع دراما، إبراهيم ده الشخص اللي بيقرأ الكتالوج كلمة كلمة قبل ما يركب سرير البيبي، اللي بيتأكد تلات مرات من حزام الأمان. عمره ما بيعمل حاجة متهورة.
جريت وراه، خطفت الجاكت والموبايل وطلعت. بقلم منال علي في المدخل، دور العربية وإيده بتترعش. صوت الموتور كان عالي جداً وبعدين هدي.
قلت له تاني، وبحاول أهدى: «إبراهيم، قولي في إيه؟»
رجع بضهره بالعربية بقوة، والكاوتش عمل صوت عالي على الحصى. عينيه كانت رايحة جاية بين الطريق ومراية الصالون، كأن في حد مراقبنا.
وبعدين قال بصوت مشدود: «إنتي ما خدتيش بالك؟»
برقت له: «أخد بالي من إيه؟»
ضغط بإيده على الدريكسيون: «لما رجعتي من عند جنى العصر.. دخلتي البيت و قولتي إن عندك صداع. أخدتي مسكن ونمتي. قلتي إن البيت "خنقك"».
رديت عليه: «ما هو ده.. ده عادي»، بس فجأة الذاكرة رجعتلي بالكامل: الصداع اللي كان هيفجر دماغي، كركبة المعدة، والنعاس الغريب اللي كان أتقل من التعب العادي متوفره على روايات واقتباسات
إبراهيم بلع ريقه بصعوبة وكمل: «وتاليا.. قولتي إنها كانت "هادية أوي" النهاردة. وإنها نامت على الكنبة من الساعة 6».
حسيت برعشة برد هزت
قاطعني وصوته بيتهز: «أنا كنت عند جنى الصبح. كلمتني عشان السخان بيطلع صوت غريب. فحصته وقلت لها إنه خطر جداً».
ريقي نشف: «خطر إزاي يعني؟»
عينيه كانت ثابتة على الطريق، بس ملامحه كانت بتموت من الرعب: «أول أكسيد الكربون»، كمل وهو بيشهق: «لزقت لها عليه تحذير أحمر.. وقلت لها أوعي تشغليه!»
العربية بدأت تضيق عليا. همست: «ورغم كده.. سبتي تاليا تنام هناك؟»
إبراهيم ما ردش، وداس بنزين أكتر.
كنا بنقف عند كل إشارة حمراء.. وكل إشارة كانت بتحسسني إن صبري بينفد. كنت ضاغطة على إيدي لدرجة إن أظافري علمت في كفي.
قولت وأنا بحاول أتمالك أعصابي: «إبراهيم، إنت مأكد على جنى إنها ما تشغلوش؟»
«أيوه»، رد وهو كازز على سنانه: «كتبت لها ده، وحطيت علامة على الجهاز، وشرحت لها مرتين».
«طيب ليه ما كلمتنيش أول ما عرفت إن تاليا هناك؟»
بص لي بنظرة كلها وجع: «لأن جنى حلفت لي إنها قفلته. قالت إنها هتستخدم دفيات صغيرة في الأوض عشان التدفئة و مش هتشغل الغاز خاالص!!! قالت إنها فهمت».
ضحكت بمرارة: «أختي "بتفهم" حاجات كتير أوي لحد ما الموضوع ما يعجبهاش».
إبراهيم كانت إيديه مبيضّة من كتر الضغط على الدريكسيون. «كلمتها تاني وأنا نازل من المحور.. ما ردتش. ساعتها رحت على البيت علطول وسألت على تاليا».
حسيت بمغص في بطني: «كلمتها.. وما ردتش؟
هز راسه وعينيه جامدة: «وبعدها قولتي لي إن بنتنا نايمة في البيت ده».
باقي الطريق كان عبارة عن خيال.. أضواء الشوارع بتجري ورعب جوايا بيكبر. فضلت باصة في الموبايل مستنية رسالة من جنى. مفيش.
كلمتها بنفسي.. جرس.. وبعدين بريد صوتي. كلمتها تاني.. بريد صوتي.
عقلي بدأ يصور لي أبشع المناظر: تاليا نايمة على الكنبة، جسمها ساكن، وشها محمر، ونفسها هادي بزيادة.. وأختي بتقول «دي تعبانة من اللعب»، والهواء حواليهم فيه سم ملوش ريحة ولا لون.
إبراهيم قال فجأة بصوت واطي: «كلمي الإسعاف».
«إيه؟» حاولت أركز في الموبايل.
«كلميهم دلوقتي»، كررها بحدة: «قولي لهم إنك شاكة في تسريب أول أكسيد الكربون في العنوان ده، وإن في أطفال جوه».
صوابعي كانت بتترعش وأنا بطلب الطوارئ. حاولت أتكلم بوضوح بس صوتي كان بيقطع: «بنتي.. عند أختي.. جوزي بيقول في خطر غاز.. أرجوكم ابعتوا حد..»
الموظفة هدتني وخدت العنوان وتفاصيل البيت. مكنتش عارفة مين لسه فايق ومين لا، وعدم المعرفة ده كان زي السكينة في قلبي.
لما وصلنا شارع جنى، البيت كان شكله طبيعي جداً.. نور المدخل منور والستاير مقفولة. بس "الطبيعي" في اللحظة دي كان كدبة متوفره على روايات واقتباسات إبراهيم ما ركنش، فرمل فجأة ونط من العربية وهي لسه بتهدي. جريت وراه وأنا بتكعبل.
خبط على الباب بكل قوته: «جنى! افتحي! أنا إبراهيم!»
محدش
خبط تاني أقوى: «جنى! افتحي الباب!»
مفيش حس.