زهور الجمعه
كنت أعرف ذلك البيت.
عرفته حتى قبل أن يبطئ دان سيارته ويوقفها أمام الرصيف. عرفته من الطريقة التي تلتمع فيها نافذته العليا حين تصعد الشمس قليلا من الظل المائل لعمود الإنارة على الجدار الحجري ومن صوت الريح الذي يمر دوما عبر شجرة القيقب الطويلة عند الحافة.
وقف دان خارج سيارته أغلق الباب بهدوء غير معتاد ثم رفع ياقة معطفه كأنه يريد أن يختبئ من العالم. لم يلتفت حوله لم يتردد. بدا كأنه يعرف أين يضع قدمه وكيف يسير وكيف يفتح ذلك الباب الخشبي الذي كنت أظنه لم يعد يخص حياتنا منذ سنوات.
وقفت داخل سيارتي لثوان بدت كأنها دقائق طويلة لا تنتهي.
لم تتحرك يداي عن المقود.
كنت أسمع دقات قلبي أعلى من صوت المحرك.
شعرت بنفسي أتنفس بسرعة بيدين ترتجفان دون إرادتي. شيء ثقيل مر واقف في حلقي يمنعني من البكاء ومن الكلام ومن الفهم.
ثم خرجت.
لا أتذكر كيف.
ربما تحركت قدماي بلا وعي ربما دفعتني حاجة مؤلمة لمعرفة الحقيقة وربما كنت خائفة جدا لدرجة أن الخوف دفعني بدل أن يشلني.
طرقت الباب.
مرة.
ثم مرة أخرى أقوى.
كانت يدي ترتجف من شدة ما ينتظرني خلفه.
وانفتح الباب.
ولم تكن هي.
كانت امرأة لا أعرفها. وجهها هادئ رغم التعب وعيناها فيهما مسحة قديمة من القلق والأرق. ابتسامتها كانت صغيرة لكنها كانت من النوع الذي يلمس القلب قبل أن يفهم معناه.
قالت بصوت خافت وكأنها تعرف سبب وجودي
أنت زوجة دان أليس كذلك
لم تكن في نبرتها قسوة. لم تكن فيه شماتة. كان فيه شيء أقرب إلى الحزن أو الشفقة أو شيء لا يعرفه إلا من رأى الكثير من الوجع.
أومأت برأسي دون أن أستطيع الكلام.
فتحت الباب قليلا أكثر وأشارت بيدها
ادخلي دان بالداخل.
كان قلبي يضرب صدري بقوة لكنني دخلت.
كان المكان أشبه ببيت تحول إلى عالم آخرمزيج من بيت دافئ وغرفة علاج ومساحة محاطة بالعناية الدقيقة. كانت الرائحة خليطا بين مطهر خفيف ورائحة نباتات طازجة مزروعة في أوان صغيرة وبين عطر خفيف يشبه شيئا مألوفا كأنه رائحة الأمس.
وفي منتصف الغرفة كانت هناك هي.
إيريكا.
لكنها لم تكن تلك المرأة التي عرفتها في الماضي. لم
كانت الآن على سرير طبي رأسها يستند إلى وسادة عالية وجهاز مراقبة بسيط يلتقط أنفاسها الخفيفة. وجهها نحيل حد الألم وعيناها فيهما شرود بعيد كأنها تنظر إلى مكان لا يراه أحد غيرها.
وبجانبها
كان دان.
يجلس على كرسي خشبي صغير منحنيا قليلا نحوها يقرأ من كتاب أطفال ملون. كان صوته منخفضا دافئا ناعماالصوت نفسه الذي كان يقرأ به القصص لأطفالنا وهم صغار حين كانت الدنيا أجمل وأبسط.
كنت واقفة هناك قرب العتبة لا أستطيع التقدم ولا التراجع.
كنت أراه.
أراه بكل تفاصيله انحناءة كتفيه الطريقة التي يحمل بها الكتاب النظرة في عينيه وهو يتفقدها بين كل جملة وأخرى وكأنه يتأكد أنها ما زالت تسمعه أو تشعر به.
ومع ذلك حين التفت نحوي
رأيت في عينيه شيئا لم أره منذ سنوات.
الأسف.
الخوف من أن يجرحني.
الرغبة في أن يشرح ولا يعرف كيف.
وقفت صامتة. كنت أشعر أن الهواء أثقل من أن يدخل صدري.
اقتربت المرأة الهادئة
إيريكا فقدت ذاكرتها بعد الحادث. لا تتذكر سنوات طويلة من حياتها تتذكر فقط طفولتها. ومن طفولتها تتذكر دان أكثر من أي شخص آخر. وجوده يهدئ خوفها.
نظرت إليها ثم إلى دان ثم إلى إيريكا الهادئة في سريرها.
قالت المرأة متابعة
لم نخبرك لأن دان لم يكن يريد أن يثقل عليك. كان يزورنا كل جمعة يقرأ لها يطمئن عليها. كانت والدتها تقطف له الزهور من حديقتها ليعود بها إليك كنوع من الشكر.
رفعت يدي نحو فمي دون وعي.
لم أستطع الرد ولا الحركة ولا حتى التفكير بوضوح.
كان كل ما رسمته في ذهني يتهاوى.
كل مخاوفي تتبدد.
وكل شكوك الأسابيع الماضية تعيد صياغة نفسها بحقيقة أكثر تعقيدا وأشد صدقا.
اقتربت ببطء حتى أصبحت خلف دان مباشرة.
توقف عن القراءة عند سماعي.
التفت نحوي عيناه تملأهما دهشة ممتزجة بالألم وكأنه خائف أن أنهار أو أغضب أو أبكي.
همس
كنت سأخبرك فقط لم أعرف كيف ولا أين أبدأ.
نظرت إليه طويلا
وقالت الكلمات بنفسها دون أن أنطقها
لماذا تحملت كل تلك الشكوك
مددت يدي ولمست كتفه بخفة.