في ليلة زفافي حماي طلب مني الهروب
في ليلة زفافي همس حماي إن أردت أن تعيشي اهربي.
تجمدت.
لم أفهم في البداية ما الذي يقصده لكن الطريقة التي ارتجفت بها أصابعه وهو يضع في يدي رزمة من المال ألف دولار بالتمام جعلت قلبي يهبط إلى قدمي.
كنت عروسا في السادسة والعشرين أعمل محاسبة في شركة إنشاءات أعيش حياة بسيطة ومنضبطة. لم أكن من الفتيات اللواتي يحلمن بالقصور أو الماس لكن حين ظهر راغاف ذلك الرجل الأنيق ابن العائلة الثرية المليء بالثقة واللباقة ظننت أنني وجدت الطمأنينة أخيرا.
تعارفنا خلال اجتماع عمل ثم توالت اللقاءات فالإعجاب فالخطبة فالزواج.
قال لي الجميع إنني محظوظة تزوجت رجلا من عائلة مال ونفوذ.
لكن ما لم يعرفه أحد أنني لم أحب المال بل أحببت إحساس الأمان الذي ظننت أنني وجدته في عينيه.
حتى جاءت ليلة الزفاف.
بين الزهور والضحكات وكاميرات التصوير كان والد راغاف يراقبني من بعيد. رجل صامت بوجه متجهم لم يسبق أن تحدث إلي بأكثر من كلمات المجاملة. وحين اقترب مني تلك الليلة شعرت بأن شيئا غريبا يسكن صمته.
أمسك يدي بخفة دس المال فيها وانحنى وهمس بصوت مبحوح
لو بدك تعيشي اهربي. اهربي الليلة.
تصلبت. نظرت إليه بذهول.
ماذا لا أفهم.
ارتعشت شفتاه. كانت عيناه مليئتين بالهلع لا القسوة.
لا تسألي. فقط اخرجي.
ثم استدار وغاب بين المدعوين كما لو لم يكن موجودا.
وقفت هناك في الممر المؤدي إلى القاعة أستمع إلى ضحكات الناس من خلف الأبواب المغلقة ورائحة العطور تختلط بالذعر في صدري.
راغاف كان في الغرفة المجاورة يضحك في الهاتف. بدا طبيعيا مطمئنا كأنه لم يحدث شيء.
اتصلت بصديقتي بريا.
حين سمعت صوتي المرتجف فهمت دون شرح.
سآتي حالا. لا تبقي هناك دقيقة واحدة.
بعد عشر دقائق كانت تنتظرني بسيارتها عند المخرج الخلفي للفندق.
نزعت طرحة الزفاف سحبت حقيبة صغيرة وخرجت تحت المطر الخفيف في الثانية فجرا.
كنت أركض كمن يهرب من موت يطارد ظله.
اختبأت في شقة بريا أغلقت هاتفي وبكيت.
أمي أبي أهل زوجي جميعهم اتصلوا بلا توقف.
لكن أكثر ما أخافني هو رسائل راغاف نفسها كلمات بسيطة باردة لا تحمل ذرة قلق. فقط جمل غامضة قصيرة كأنها تراقبني.
وفي الصباح حين شغلت الهاتف أخيرا ظهرت رسالة مجهولة
والدي حاول إنقاذك. لكن لا أحد يستطيع حمايتك. إن عدت ستكتشفين الحقيقة أو تختفين.
تلك الليلة وصلتني رسالة أخرى من السيد ميهتا والد راغاف نفسه
إن كنت ما زلت في دلهي قابليني في مقهى إمبيريال الطابق الثاني. سأخبرك بكل شيء.
ذهبت.
كان المقهى قديما هادئا تفوح منه رائحة البن والدهر.
رأيته
قال لي بسرعة
هل أخبرك أحد كيف ماتت زوجة راغاف الأولى
تجمدت.
زوجته الأولى!
أومأ برأسه.
قالوا إنها سقطت من الدرج. لكننا جميعا نعرف الحقيقة. لم تكن سقطة كانت النهاية.
ثم أخرج شريحة USB صغيرة ووضعها أمامي.
فيها تسجيلات ووثائق. شاهديها بنفسك. لكن إياك أن يعلم أحد.
سألته وأنا أرتجف
لماذا لا تذهب للشرطة
ابتسم بمرارة.
في هذه المدينة هناك عائلات لا تمس وعائلة راغاف واحدة منها.
عدت إلى شقة بريا وقلبي يتلوى بين الخوف والفضول.
فتحت الملفات تسجيل صوتي لامرأة بصوت متقطع مرتجف كانت نيها زوجة راغاف الأولى.
منذ الزواج وهو يقفل الأبواب علي. لا يسمح لي بالخروج. أمه تقول إنني إن لم أنجب ولدا سينتهي أمري مثل الأخريات
الأخريات.
الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل الدم يتجمد في عروقي.
في المستندات تقارير طبية وملاحظات بخط السيد ميهتا نفسه عن تاريخ طويل من الجنون العائلي والهوس والطقوس الغريبة.
الجد الأكبر قتل زوجته في طقس غريب ظن أنه يحافظ على ثروة العائلة.
الابن ورث الهوس.
الزوجة الحالية والدة راغاف تؤمن أن الكنة الأولى التي تنجب ولدا تضمن استمرارية البيت أما الأخريات فمصيرهن معروف.
نيها ماتت بعد شهرين من
كل شيء أخفي تحت طبقات من النفوذ والمال.
شعرت أن الأرض تهتز من تحتي.
بريا لم تتركني.
قالت بحزم
لن يختفوا بك كما فعلوا بالأخريات. سنفضحهم.
تعاونا مع صديقها الصحفي أرسلنا كل الوثائق مجهولة المصدر إلى السلطات وبدأت خيوط التحقيق تتحرك ببطء.
وبينما كانت عائلة راغاف تحاول إسكات كل شيء كان والده هذه المرة شاهدا أول مرة في حياته يواجه ابنه بما فعل.
بعد أسابيع تقدمت بطلب الطلاق.
قابلت راغاف آخر مرة في مكتب المحامي.
نظر إلي بابتسامة جامدة وقال
إذن أنت أيضا سترحلين. مثل الأخريات.
لم أجد في صوته حزنا فقط فراغا عميقا وبرودا يشبه الموت.
بعدها أغلقت التحقيقات بهدوء. المال فعل ما لا يفعله القانون.
لكن القضية لم تدفن تماما كان هناك من يراقب من يدون من لم ينس.
غادرت دلهي إلى مومباي. بدأت حياة جديدة.
لم أعد تلك الفتاة الحالمة التي صدقت أن الزواج أمان أو أن الحب وحده كاف.
لكنني كنت حية وهذا وحده كان نصرا.
بعد شهور وصلني ظرف بلا اسم.
داخله ورقة قصيرة بخط متعب
لقد فعلت الشيء الصحيح.
شكرا لأنك منحتني الشجاعة.
والد زوجك.
بكيت طويلا.
بعض الحقائق لا تصدق حتى تعيشها.
وبعض الكوابيس لا تنتهي لكنها تتركك أقوى.
لم أعد أنجالي التي تؤمن بالقصص
لكنني ما زلت أؤمن بشيء واحد
أخطر الأكاذيب هي التي نحياها ونحن نظنها حياة
تمت