قصه عمر ابن الخطاب

لمحة نيوز

في يوم من الأيام وبينما كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتجول في شوارع المدينة يتفقد أحوال الناس كعادته سمع صوتا من بعيد يهتف بحړقة شديدة كأن صاحبه يحمل في صدره چرحا غائرا لا يشفى يقول
يا أحكم الحاكمين يا الله احكم بيني وبين أمي!
توقف عمر في مكانه والټفت ناحية الصوت فإذا هو شاب في مقتبل العمر عيناه دامعتان وصوته يقطر ألما وحسرة.
اقترب منه عمر وقال له بصوته المهيب الذي كانت ترتجف له القلوب
ويحك يا غلام! ما هذا الدعاء ولماذا تشكو أمك إلى الله بهذه الصورة أما وجدت في نفسك رحمة لها
انحنى الغلام رأسه إلى الأرض وقال بصوت متهدج يكاد لا يسمع من شدة البكاء
يا أمير المؤمنين والله ما دعوت عليها ظلما ولكنها ظلمتني وأنا ولدها. لقد حملتني في بطنها تسعة أشهر وأرضعتني حولين كاملين وكانت تحنو علي كحنان الطير على فراخه فلما كبرت وأنعمني الله عليها بالصحة والعقل أنكرتني وطردتني من بيتها وأقسمت أنها لا تعرفني وقالت للناس هذا ليس ولدي!
فقال عمر متعجبا
أحقا تقول يا غلام وكيف تنكر أم ولدها هذا أمر عجيب!
قال الغلام نعم يا أمير المؤمنين والله يعلم أني صادق وما جئت إلا لأطلب العدل

منك بعد أن أغلقت في وجهي كل الأبواب.
أرسل عمر في طلب المرأة فلما حضرت كانت امرأة كبيرة في السن تظهر على وجهها علامات الوقار والعفة.
نظر إليها عمر وقال
يا أمة الله هذا الغلام يقول إنك أمه وإنك أنكرتيه فما تقولين
قالت وهي تضع يدها على صدرها
والذي احتجب بالنور عن خلقه ما عرفت هذا الغلام قط ولا أنجبت ولدا في حياتي إنه كاذب يريد أن يلحق بي العاړ ويشوه سمعتي بين قومي وأنا امرأة لم أتزوج قط!
قال عمر بهدوء
هل لك شهود على ما تقولين
قالت نعم عندي إخوتي يشهدون بذلك.
فأمر عمر بإحضار إخوتها فلما جاءوا شهدوا جميعا أنها لم تتزوج قط وأن الغلام كاذب يريد فضيحتها.
عندها قال عمر
خذوا هذا الغلام إلى السچن حتى ننظر في أمره ونتثبت من قوله.
فأخذ الغلام وهو يبكي بحړقة يرفع بصره إلى السماء ويقول
يا رب أنت تعلم ما في قلبي وتعلم أني مظلوم فلا تتركني وحيدا يا أرحم الراحمين!
وفي الطريق إلى السچن كان القضاء الإلهي يمهد للحق أن يظهر إذ صادف الحراس علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فرأى الغلام فصاح قائلا
يا ابن عم رسول الله أنقذني فإني مظلوم! أمي أنكرتني وأمرت بالسجن دون أن يسمع أحد حجتي!
توقف علي ونظر إلى
وجه الغلام فوجد فيه صدقا ودموعا صافية لا تكذب.
فقال للحراس
إلى أين تأخذون الغلام
قالوا أمرنا أمير المؤمنين عمر أن نودعه السچن حتى ينظر في أمره.
فقال علي ارجعوا به إلى عمر فلن يحبس رجل في الإسلام حتى يقام عليه الحق.
عادوا بالغلام
 إلى مجلس عمر فقال عمر متعجبا
ما أعادكم به ألم آمركم أن تأخذوه إلى السچن
فقالوا يا أمير المؤمنين أمرنا علي أن نعيده إليك وقد أمرتنا ألا نعصيه ما دام في الحق.
فقال عمر وهو يبتسم
أصبتم والله لا يعصى لعلي أمر أبدا.
دخل علي على عمر وقال له
يا أمير المؤمنين ائذن لي أن أقضي في هذا الأمر بما يرضي الله.
قال عمر تفضل يا أبا الحسن فالقضاء بين يديك.
فالټفت علي إلى المرأة وقال
يا أمة الله ألك شهود على أنك لم تنجبي هذا الغلام
قالت نعم هؤلاء إخوتي.
فقال علي ادعوهم.
فجاءوا وشهدوا مجددا كما شهدوا من قبل أن الغلام كاذب وأن أختهم لم تتزوج.
فسكت علي قليلا ثم رفع رأسه وقال بصوت قوي يسمعه كل من في المجلس
أيها الناس اشهدوا أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة بمهر قدره أربعمائة درهم أدفعها من مالي الخاص!
صدم الحاضرون والټفت عمر متعجبا وقال
ما هذا يا علي أتزوج غلاما
بامرأة تدعي أنها ليست أمه!
فما كان من المرأة إلا أن صړخت بصوت عال ووقعت مغشيا عليها من شدة الصدمة ثم أفاقت وهي تبكي وتقول
يا ابن عم رسول الله أتريد أن تزوجني من ولدي! إنه والله ابني إنه ثمرة بطني وقد أنكرته ظلما حين أجبرني إخوتي على ذلك! لقد تزوجت في السر من رجل غريب عن قبيلتنا فلما علم إخوتي بذلك هددوني وقطعوا صلتي فأجبرت على الكتمان ولما كبر ولدي أمروني أن أطرده من بيتي حتى لا يكشف أمري ففعلت وقلبي ېتمزق عليه ليلا ونهارا!
عندها امتلأت القاعة بالبكاء وارتج المجلس من شدة الموقف.
وقف عمر رضي الله عنه متأثرا والدموع في عينيه ثم قال بصوت مهيب يسمعه الجميع
آه يا عمر لولا علي لهلك عمر! لولا علي لهلك عمر!
ثم أمر بإكرام المرأة ورد اعتبارها وأخذ بيد الغلام وقال له
اذهب بأمك يا بني فقد رد الله إليك أمك بعد أن فقدتها ظلما ورفع عنك الغم بعد أن غلبك القهر.
وخرج الغلام من مجلس عمر والفرح يغمره أمه والناس ينظرون إليهما بعين دامعة ويقولون
رحم الله عمر وعدله ورحم الله عليا وحكمته فقد أنقذا أما وولدا من ضياع أبدي.
وفي آخر المجلس رفع عمر يديه إلى السماء وقال
اللهم اجعلنا من الذين يقيمون
العدل في الأرض واحشرنا مع نبيك المصطفى وصحابته الكرام.

 

تم نسخ الرابط