امي قالت لمراتي
أمي قالت لمراتي لو خلفتي بنت تانية، ابني هيتجوز عليكي”… وكانت متأكدة إنها هتخاف وتفضل ساكتة.
يومها كنت راجع من الشغل بدري.
وأول ما فتحت باب الشقة سمعت صوت أمي جاي من الصالة.
كانت قاعدة قدام مراتي وهي حامل في شهرها السابع.
وبتقولها بمنتهى البرود:
“اسمعي كلامي كويس… لو اللي في بطنك طلعت بنت، كريم هيتجوز غيرك.”
وقفت مكاني.
مستني أشوف رد فعل مراتي.
افتكرتها هتعيط.
أو هتسكت.
أو حتى هتدخل الأوضة وتهرب من الكلام.
لكن اللي حصل كان غير كده.
مراتي رفعت رأسها بهدوء.
وبصتلها وقالت:
“والولد والبنت بإيد ربنا.”
أمي ضحكت بسخرية وقالت:
“قولي الكلام ده لواحدة غيري… أنا ابني لازم يشيل اسمه ولد.”
ومن يومها.
كل زيارة.
كل مكالمة.
كانت أمي تفتح نفس الموضوع.
لدرجة إن مراتي بقت تخاف من أي تجمع عائلي.
وأنا…
للأسف.
كنت فاكر إن السكوت هيحل المشكلة.
لحد يوم الولادة.
اليوم اللي أمي كانت مستنياه أكتر من أي حد.
وقفت قدام أوضة العمليات تدعي.
وتقول لكل اللي حواليها:
“المرة دي أكيد ولد.”
وبعد ساعات…
خرج الدكتور.
وبمجرد ما قال أول كلمة…
وش أمي اتغير.
أما مراتي…
فابتسمت لأول مرة من شهور.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش إن المولود طلع بنت.
الصدمة كانت في التقرير اللي الدكتور سلّمهولي بعدها بدقائق…
واللي خلّى أمي نفسها تقعد على الكرسي من هول اللي قرأته
حكايات بسمه
خرج الدكتور وهو بيمسح نظارته، وقال بصوت هادي: "مبروك يا مدام،
أمي قامت من مكانها بسرعة ووشها كان متهلل بشر، فاكرة إن الكلام عن "الولد اللي جه بعد البنت"، لكن الدكتور كمل بجدية: "الأم والطفلة بخير، بس التقرير الوراثي للمولودة بيأكد إصابتها بمرض نادر في الدم، وبما إن دي البنت التانية، فده معناه إن 'الجين' المسؤول عن المرض ده موجود عند الأب والأم."
أمي بصتلي باستغراب: "جين إيه وكلام إيه؟ أنا عايزة أعرف هي خلفت ولد ولا لا؟"
الدكتور بص لأمي بحدة: "يا حاجة، الأهم من النوع هو الصحة! الجين ده بيخلي أي حمل 'ولد' في المستقبل خطورته كبيرة جداً، وغالباً مش هيعيش.. ده غير إن الحمل نفسه كان معجزة."
أمي قعدت على الكرسي وهي مصدومة، مش عشان صحة البنت، بس عشان حلم "الولد" اللي كانت مستنياه اتقطع تماماً، وطلع إن "العيب" اللي كانت بتعاير مراتي بيه، هو عيب في تكويني الجيني أنا شخصياً!
دخلت الأوضة لمراتي، لقيتها ماسكة البنت الصغيرة بحب، وبمجرد ما شافتني ابتسمت. قربت منها، وبست راسها، وقلت لها: "مش مهم أي حاجة، المهم إنتِ وهِيّ بخير."
أمي دخلت ورايا، وبدل ما تبارك، قالت بصوت مسموم: "يعني إيه؟ يعني مش هتخلف ولاد؟ يعني الاسم هينقطع؟"
بصيت لأمي، ولأول مرة في حياتي كسرت حاجز الطاعة العمياء اللي كانت هي اللي بنياه: "يا أمي، كفاية. إنتِ من يوم ما عرفتِ إن مراتي حامل، وإنتِ بتسممي حياتها. والنهاردة الدكتور قال إن المشكلة في 'جيناتي' أنا.. يعني لو كان ولادك اللي بتدوري
أمي اتسمرت في مكانها، بصتلي وبصت لمراتي اللي كانت بتبكي بصمت.
أمي (بصوت مخنوق): "أنا.. أنا مكنتش أعرف."
أنا (بصرامة): "مش لازم تكوني عارفة عشان تحترمي مراتي. من النهاردة، بيتي ده ليه خصوصية، وأي كلمة تجرح مراتي، معناها إني مش هشوفك تاني."
أمي خرجت من الأوضة من غير ولا كلمة، ووشها كان باين عليه إنها بدأت تدرك إن "طمعها" في حفيد ذكر كلفها ابنها وحفيدات بيحبوها.
عدت الشهور، ومراتي اهتمت بالبنت الصغيرة وبنتنا الكبيرة، وأنا كنت بشتغل ليل نهار عشان أعالج البنت الصغيرة، وكان عندي يقين إن "الستر" في بيتي أهم من أي اسم أو عزوة.
في يوم، وأنا راجع البيت، لقيت أمي قاعدة على باب الشقة، كانت جايبة لبس للأطفال وحاجات حلوة.
أمي (بكسرة قلب): "ممكن تدخلوني؟ أنا مش عايزة ولد، أنا عايزة أحفادي.. وعايزة أعتذر لمراتك."
بصيت لمراتي، لقيتها قامت وفتحت الباب بابتسامة طيبة، وقالت: "اتفضلي يا حماتي، البيت بيتك."
في اللحظة دي عرفت إن "الأصل" مش بس في الولد اللي بيشيل الاسم، الأصل في القلب اللي بيعرف يسامح، والبيت اللي بيعرف يحتوي.
بعد ما دخلت أمي البيت، بدأت مرحلة جديدة من المواجهة بينها وبين نفسها. قعدت مع مراتي "هبة" لفترة طويلة، ولأول مرة سمعتها بتعتذر لها مش بلسانها بس، لكن بدموعها. هبة، بمعدنها الأصيل، مسكت إيدها وقالت لها: "يا حماتي، الولد والبنت رزق من ربنا، أنا عمري ما زعلت منك، أنا بس كنت بتمنى تحسي بوجعي.
لكن الحكاية مخلصتش عند الاعتذار. بعد فترة، بدأت تظهر "أسرار" جديدة كانت أمي مخبياها. اكتشفت إن أمي كانت بتضغط عليّ عشان أخلف ولد، لأنها كانت كاتبة "وصية" قديمة لأبويا، كانت بتقول فيها إن الميراث كله يروح للحفيد "الذكر" الوحيد، ولو مفيش ولد، الميراث يروح لبيت العيلة التاني (لأعمامي).
أمي كانت خايفة إننا نضيع "عزوة" العيلة وميراثها، فكانت بتحاول تدفعني للجواز التاني عشان تضمن الحفيد اللي يورث الأرض والبيت.
لما عرفت الحقيقة دي، واجهت أمي. قعدت معاها وقلت لها: "يا أمي، الميراث والفلوس دي مش هي اللي هتدخلك الجنة، ولا هي اللي هتشيل اسمي واسمك. اللي بيشيل الاسم هو التربية الصالحة، سواء كانت بنت أو ولد."
أمي بدأت تغير تفكيرها تماماً. بدأت تشوف بناتي وهما بيكبروا، بيحنوا عليها، بيذاكروا لها، وبيقفوا جنبها في مرضها أكتر ما كان أي "ولد" ممكن يعمل. بدأت تدرك إن اللي كانت بتدعي عليهم بـ "البنات"، هما اللي بقوا "الستر" ليها في الدنيا.
مرت الأيام، وبنتي الصغيرة خفت تماماً من مرض الدم بعد علاج طويل وتعب، وبقت زي الفل. وفي يوم عيد ميلادها، أمي وقفت قدام العيلة كلها، وقالت جملة هزت الكل: "أنا كنت فاكرة إن العزوة في الذكر، بس عرفت النهاردة إن العزوة في القلب اللي بيعرف يحب ويحتوي.. بناتي دول هما سندي، وهما اللي ورثوا قلبي، ومش فارق معايا الميراث اللي مكتوب في الورق."
البيت اللي كان مليان صراعات، بقى مليان دفا وحب. اتعلمنا إن الكلمة
**تمت.**