دليل الحق من حكايات فاتن
دليل الحق من حكايات فاتن
كانت النقيبة "سارة عبد الرحمن" راجعة بيتها في القاهرة بعد يوم طويل جدًا في الشغل. كانت تعبانة، لكن جواها إحساس رضا إنها عملت اللي عليها. وقفت تاكسي على الطريق، وركبت وهي بتحاول تريح دماغها شوية.
السواق، اسمه "عم محمود"، كان راجل بسيط، واضح عليه التعب، لكن ابتسامته طيبة.
قالها:
— رايحة فين يا مدام؟
— مدينة نصر لو سمحت.
العربية اتحركت، لكن بعد دقايق قليلة، وقّفهم كمين شرطة. حاجة عادية بتحصل كل يوم. بس اللي حصل بعدها ماكنش عادي خالص.
قرب أمين شرطة من العربية، بص لعم محمود بنظرة فيها استعلاء، وقال:
— رخصك يا أسطى.
عم محمود إداله الرخص، وهو واضح عليه القلق. أمين الشرطة قلب فيها شوية، وبعدين قال بنبرة غريبة:
— إيه ده؟ الطفاية منتهية؟ والمثلث فين؟
عم محمود ارتبك وقال:
— والله يا باشا الطفاية لسه شغالها من شهرين...
قاطعه الأمين بعصبية:
—
سارة كانت ساكتة، بتراقب الموقف. حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة. الطريقة فيها استقواء مش تطبيق قانون.
قالت بهدوء:
— هو ممكن حضرتك توضح المخالفة بالظبط؟
أمين الشرطة لف وبصلها من فوق لتحت، وقال بسخرية:
— وإنتي مالك؟ محامية ولا قريبة الراجل؟ خليكي في حالك يا مدام.
الناس بدأت تبص. في شباب وقفوا يتفرجوا، وفي واحد طلع موبايله وبدأ يصوّر.
سارة خدت نفس عميق، وقالت بصوت ثابت:
— ليا دخل، لأن القانون لازم يتطبق على الكل... مش على مزاج حد.
الأمين ضحك بسخرية:
— بلاش تنظير بقى... انزلي من العربية لو سمحتي.
ساعتها سارة مدّت إيدها بهدوء وطلعت كارنيهها من الشنطة، وفتحته قدام الكل.
— نقيبة شرطة سارة عبد الرحمن... قطاع التفتيش والرقابة.
سكت المكان كله فجأة.
الأمين وشه اصفرّ، وإيده اترعشت. زمايله بصوا لبعض في ارتباك. عم محمود مش فاهم حاجة، بيبص
— يا فندم... أنا... ماكنتش أعرف...
سارة قالت بهدوء، بس بحزم:
— المشكلة مش إنك ماكنتش تعرف. المشكلة إنك بتتصرف كإن محدش شايفك.
دليل الحق من حكايات فاتن
بصّت حواليها للناس اللي بتصور وقالت:
— كل حاجة واضحة.
مسكت اللاسلكي وطلبت دعم فورًا. خلال دقايق، وصلت عربية شرطة فيها ضابط برتبة كبيرة.
الضابط سمع اللي حصل، وشاف الفيديوهات اللي الناس صورتها. ملامحه اتغيرت، وقال للأمين بجدية:
— إنت متهم باستغلال سلطة، ومحاولة ابتزاز، وتعامل غير لائق مع مواطن.
اتقبض عليه في نفس اللحظة، قدام الناس كلها.
عم محمود كان واقف مذهول. عينيه دمعت، لكن مش من الخوف... من الراحة.
قال بصوت مهزوز:
— أنا... أنا مش عارف أشكرك إزاي يا فندم...
سارة ابتسمت ابتسامة بسيطة، وحطت إيدها على كتفه:
— اشكر ربنا إنك ما سكتش. وخلي دايمًا عندك جرأة تقول الحق.
ركبت تاني في التاكسي،
— يلا بينا.
عم محمود ساق وهو حاسس بحاجة جديدة... إحساس إن البلد ممكن تبقى فيها عدل فعلًا.
بعد شوية، قال لها:
— حضرتك رايحة مناسبة ولا إيه؟
ابتسمت وقالت:
— أيوه... فرح أختي الصغيرة.
وصلوا قدام البيت، نزلت سارة ودفعت الأجرة، وزوّدت مبلغ أكبر.
قال:
— لا لا يا فندم، كده كتير.
قالت ببساطة:
— عشان ولادك.
وسابته ومشيت.
عم محمود فضل واقف يبص عليها وهي داخلة البيت، مش شايفها مجرد ظابط... شايفها إنسانة وقفت معاه وهو ضعيف.
تاني يوم، وهو قاعد مع صحابه على القهوة، كان بيحكي اللي حصل، وصوته مليان فخر:
— والله يا جماعة، العدل لسه موجود... بس محتاج ناس بجد.
وفي نفس الوقت، كانت سارة في الفرح، لابسة فستان بسيط، بتضحك وبتغني مع أهلها، ونسيت تمامًا إنها نقيبة شرطة.
كانت بس أخت... بنت... إنسانة.
لكن في شارع من شوارع القاهرة، وفي قلب راجل بسيط، كانت سارة دليل إن الحق ممكن
دليل الحق من حكايات فاتن
تمت