قصة قرض 500جنيه بقلم فاتن سليم

لمحة نيوز

كان صباحًا مزدحمًا في قلب القاهرة، حين توقفت سيارة فاخرة لامعة أمام أحد أكبر البنوك في وسط البلد. لم تكن مجرد سيارة عادية، بل كانت “فيراري” حمراء تخطف الأنظار، ويكاد بريقها يعكس هيبة صاحبها قبل أن يترجل منها. فتح الباب رجل في منتصف الأربعينات، أنيق المظهر، ثابت الخطى، يحمل في عينيه نظرة ثقة لا تخطئها عين. كان اسمه حسام المنصوري، رجل أعمال مصري ذاع صيته في مجالات الاستثمار والعقارات، واشتهر بين أقرانه بذكائه الحاد وقدرته على التفكير خارج الصندوق.
دخل حسام البنك بخطوات سريعة وكأنه في سباق مع الوقت. لم يلتفت إلى النظرات المتعجبة من الموظفين أو العملاء، بل اتجه مباشرة إلى مكتب خدمة العملاء وقال بنبرة حاسمة: “عايز قرض بسرعة… 500 جنيه بس.”
تبادل الموظفون النظرات في دهشة. أحدهم ظن أنه يمزح، وآخر اعتقد أن هناك خطأ ما. رجل بهذه المكانة، بهذه السيارة، يطلب قرضًا بهذا المبلغ الزهيد؟ اقترب أحد الموظفين منه بحذر وسأله: “حضرتك تقصد 500 ألف؟” ابتسم حسام ابتسامة خفيفة وقال: “لا، 500 جنيه بس… ومحتاجهم حالًا.”
وصل الخبر سريعًا إلى مدير البنك، الذي استدعى حسام إلى مكتبه. كان المدير رجلاً

مخضرمًا، رأى الكثير من المواقف الغريبة، لكن هذا الطلب تحديدًا أثار فضوله. جلس حسام بثقة أمامه، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأنه صاحب المكان.
قال المدير: “يا فندم، إحنا طبعًا يشرفنا التعامل مع حضرتك، لكن المبلغ بسيط جدًا… هل في سبب معين؟” رد حسام بهدوء: “ده شغلي… ومحتاج قرض رسمي. تقدروا توافقوا؟”
تردد المدير قليلًا، ثم قال: “ممكن طبعًا، لكن لازم ضمان.”
أشار حسام بيده نحو الخارج وقال: “الع
أشار حسام بيده نحو الخارج وقال بهدوء: “العربية بتاعتي… الفيراري اللي واقفة قدام البنك.”
اتسعت عينا المدير بدهشة، وقام من مكانه ليتأكد بنفسه. بالفعل، كانت سيارة فيراري حمراء فاخرة تقف أمام المدخل، يحيط بها إعجاب المارة ونظرات الحراس. عاد المدير إلى مكتبه وهو يحاول إخفاء اندهاشه، ثم قال: “حضرتك عايز ترهن عربية قيمتها ملايين… مقابل 500 جنيه بس؟”
ابتسم حسام ابتسامة غامضة وقال: “ده الضمان اللي عندي… توافقوا؟”
لم يجد المدير سببًا للرفض. على العكس، الصفقة تبدو مضمونة تمامًا للبنك. أصدر أوامره بسرعة بإتمام الإجراءات، وتم تسجيل السيارة كضمان رسمي. بعد دقائق، استلم حسام مبلغ الـ500 جنيه، ووقّع الأوراق،
ثم سلّم مفاتيح السيارة للحراسة.
تم نقل الفيراري إلى جراج البنك الداخلي، حيث وُضعت تحت حراسة مشددة، وكأنها كنز ثمين. الكاميرات تراقبها من كل زاوية، والحراس يتناوبون على تأمينها. لم يصدق الموظفون ما يحدث، وبدأت الهمسات تدور في أروقة البنك: “إزاي راجل زي ده يعمل كده؟” “أكيد ورا الموضوع سر!”
أما حسام، فخرج من البنك وكأنه أنهى مهمة بسيطة، واستقل سيارة أجرة عادية واختفى وسط زحام القاهرة.
مرت الأيام، وبدأت القصة تتحول إلى حكاية يتداولها الموظفون، كلٌ يضيف لها تفسيرًا من عنده. البعض قال إنه اختبار للبنك، وآخرون اعتقدوا أنه يمر بضائقة مالية خفية، لكن الحقيقة ظلت غامضة.
بعد أسبوع كامل، عاد حسام إلى البنك بنفس الهدوء والثقة. دخل هذه المرة بخطوات أبطأ، وكأنه ليس في عجلة من أمره. توجه إلى مكتب المدير مباشرة، الذي استقبله بابتسامة لا تخلو من الفضول.
قال حسام: “جيت أسدد القرض.”
بقلم فاتن سليم
أخرج 510 جنيهات ووضعها على المكتب. “500 أصل المبلغ… و10 جنيهات فوائد.”
نظر المدير إلى المال، ثم إلى حسام، ولم يتمالك نفسه من السؤال: “معلش يا فندم… أنا بجد محتاج أفهم. حضرتك راجل أعمال كبير، وعندك
سيولة أكيد… ليه تعمل كل ده عشان 500 جنيه؟ وترهن عربية بملايين؟”
هنا، مال حسام قليلًا إلى الأمام، وابتسم ابتسامة أوسع، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا.
قال بهدوء: “أنا كنت مسافر بره القاهرة أسبوع… وكان لازم أسيب عربيتي في مكان آمن.”
توقف لحظة، ثم أكمل: “لفّيت كتير، وملقتش جراج يضمنلي الأمان الكامل، ولا حتى الحراسة اللي أنا شوفتها هنا… وكل ده مقابل كام؟ 10 جنيه بس!”
بقلم فاتن سليم
ساد صمت للحظات داخل المكتب، قبل أن ينفجر المدير في ضحكة طويلة، أدرك بعدها أن ما فعله حسام لم يكن تصرفًا عشوائيًا، بل خطة ذكية جدًا.
خرج حسام من البنك بعد أن استلم سيارته، بينما ظل الموظفون يتحدثون عن “أذكى عميل دخل البنك”. لم يكن الأمر مجرد قرض صغير، بل درس كبير في التفكير المختلف.
وفي طريقه خارج البنك، أدار حسام محرك الفيراري، وانطلق بها في شوارع القاهرة، مبتسمًا بثقة. كان يعلم جيدًا أن النجاح لا يعتمد فقط على المال، بل على الذكاء في استخدامه… وعلى القدرة على رؤية الحلول حيث لا يراها الآخرون.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت قصته تُروى كحكاية طريفة، لكنها تحمل في طياتها معنى عميق:
ليس المهم ما تملك، بل
كيف تفكر.
تمت بقلم فاتن سليم

تم نسخ الرابط